المقالات والبحوث

تقرير عن كتاب (الاستقامة)

Picture of د.ياسر بن حامد المطيري

د.ياسر بن حامد المطيري

عضو هيئة التدريس بجامعة الأمير سطّام بن عبد العزيز

photo_2024-05-01_18-04-38

هذه بعض الآراء حول كتاب الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ربما تكون عونًا لمن أراد قراءته أو إعادة تحقيقه، وسبب كتابتها أن من قرأ الكتاب يلحظ عدم تناسب بعض فصوله لبعض، فهل أُقحِمت فيه فصولٌ كثيرةٌ ليست منه؟ هذا ما أريد الحديث عنه.

والمخطوطُ الذي اعتمده المحقق د. محمد رشاد سالم نسخةٌ وحيدة نادرةٌ والأخطاء فيها كثيرة جدًّا، وفيها سقطٌ في مواضع، وقد اجتهد المحقق في تصحيحها وعانى الكثير من الجهد في ذلك رحمه الله وأثابه.

وموضوع الكتاب العام هو (الاستقامة على السنة، ورَدُّ ما يُضَادُّها مِن البدع والأهواء)، وهو كتابٌ جليلٌ لا يُستغنى عنه، والفهرس الذي وضعه المحقق مجملٌ لا يجلِّي مضمون الكتاب.

– اسم الكتاب ومضمونه:

(الاستقامة) أو (قواعد الاستقامة) أو (منهاج الاستقامة)، ذكر التسمية الأولى ابن عبد الهادي وابن رشيِّق، وذكر الثانية ابن القيم، وذكر الثالثة الصفدي، وذكر مترجموه أنه في مجلدين، وقد قرأ ابنُ القيم أكثرَه على شيخ الإسلام، وفي ذلك يقول في النونية:

وكذا (قواعدُ ‌الاستقامةِ) إنـها      سِفران فيما بيننا ضخمانِ

وقـرأتُ أكثــرَها عليــه فزادنـي       وَاللــــهِ في عِلمٍ وفي إيـــــــمانِ

ولم أقف على من تحدث عن مضمون الكتاب من مترجميه، وإنما قال المصنف شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة الكتاب (1/3): “قاعدةٌ في وجوب الاستقامة والاعتدال، ومتابعة الكتاب والسنة، في باب أسماء الله وصفاته وتوحيده بالقول والاعتقاد، وبيان اشتمال الكتاب والسنة على جميع الهدى، وأن التفرق والضلال إنما حصل بترك بعضه، والتنبيه على جميع البدع المقابلة في ذلك بالزيادة في النفي والإثبات ومبدأ حدوثها وما وقع في ذلك من الأسماء المجملة، والاختلاف والافتراق الذي أوجب تكفير بعض هؤلاء المختلفين بعضهم لبعض..”.

وسأذكر فصول الكتاب ومطابقتها لهذه المقدمة وملائمتها لبعضها، فقد اشتمل الكتاب على مقدمةٍ وخمسة عشر فصلًا:

أما المقدمة (1/3) فهي عن الابتداع، وأسبابه، واستغناء الدين عنه في الأصول والفروع، ثم حديثٌ عن الرأي المشروع، والرد على مقالة: إن النصوص لا تفي بالأحكام، إلى أن ذَكَر أمثلةً على بدعٍ ذَمَّها الأئمةُ واتَّبَعها بعضُ أتباعهم.. إلى آخر المقدمة.

وأما فصول الكتاب فعلى النحو التالي:

الفصل الأول (1/17) في وعيد من يعارض الكتاب والسنة بغير حجة منهما.

والفصل الثاني (1/24) في الاختلاف (فيما اختلف فيه المؤمنون من الأقوال والافعال في الأصول والفروع) وفي القتال (وذلك لأن من مسائل الخلاف ما يتضمن أن اعتقاد أحدهما يوجب عليه بغض الآخر ولعنه أو قتاله).

والفصل الثالث (1/47) ذكر الشيخ أنه فصلٌ مهمٌّ عظيمُ القَدْرِ في هذا الباب، وخلاصتُه بيانُ فسادِ قول المتكلمين: إن الفقه من باب الظنون، وقد رتبوا على ذلك أن كل مجتهد في الفروع مصيبٌ، وأبطل طائفة منهم دلالة أصول الفقه كالباقلاني وغيره، وذكر أنـهم لما عرفوا الفقه بأنه “العلم بأحكام المكلفين” فسروا العلم بالظن، وقد رد الشيخ عليهم بأن العلم يشمل العلم والظن، ثم ذكر ص (55) أن أكثر مسائل الفقه معلومة لا مظنونة، وبين أن معنـى العلم أي: إمكان العلم عند المجتهدين لا عند المقلد والعامي، ثم ذكر أن المشكل قليل العدد نادر الوقوع أيضًا وضرب مثلا على ذلك بأحكام الفرائض والحيض. ويظهر أن أهمية هذا الفصل ومناسبته للكتاب: أن الاستقامة على السنة ومجانبة الأهواء والبدع لا تكون مع عدم القطع بمراد الله في الأحكام، فمن قال: مسائل الفقه من الظنون فقد فتح بابا عظيمًا يدخل منه الإحداث.

وأما الفصل الرابع (1/70) فذكر فيه الكلام على لفظ الحركة، وهذا الانتقال لم تظهر لي مناسبته لما سبق، ولا بما سيأتي إلى آخر الكتاب، فيظهر أن في المخطوط سقطًا قبل هذا الفصل، أو أنه مقحم في الكتاب وليس منه، ويرجِّح وجود السقط أن المؤلف ذكر في المقدمة تعرضه لباب أسماء الله وصفاته..

ثم الفصل الخامس (1/76) والأنسب أن يكون قبل الفصل السابق، لأنَّ له تعلقًا بقول المتكلمين: الفقه من باب الظنون، ففي هذا الفصل يعترف هؤلاء بأن علومهم لا تفضي بـهم إلى اليقين.

والفصل السادس (1/81) فيما ذكره الشيخ أبو القاسم القشيري في رسالته المشهورة (الرسالة القشيرية) من اعتقاد مشايخ الصوفية.. إلى ص 213.

والفصل السابع (1/213): فصلٌ في الحديث الذي في الصحيحين عن جويرية أم المؤمنين لما خرج النبي r من عندها ثم رجع إليها فوجدها تسبِّح.. الحديث. ولم تظهر لي مناسبة هذا الفصل للكتاب ولا مناسبته لما قبله، ولم يذكر الحديث القشيري في رسالته.

وأما الفصل الثامن فهو في الرد على القشيري في السماع، قال (1/216): “قال أبو القاسم القشيري في باب السماع”.. إلى ص 421.

الفصل التاسع: فصل في محبة الجمال (1/422) إلى آخر المجلد الأول، وصدَّره الشيخ بحديث ابن مسعود عند مسلم: “إن الله جميل يحب الجمال”، ثم ذكر ص 424 أنَّ قومًا تأولوه فضلوا، وآخرون رأوه معارضًا لغيره ولم يهتدوا للجمع.. ولم يشر لأبي القاسم القشيري، لكنه نقل عنه بعد ذلك ص 430.

الفصل العاشر (2/3): في الغيرة، إلى ص 65 وفيها نقل عن القشيري.

الفصل الحادي عشر (2/65- 141) في الرضا، وهذا الفصل نشر في مجموع الفتاوى (10/678- 791)، وهو مما يبين أن بعض فصول الاستقامة هي فتاوى جمع بينها لمناسبة موضوعاتها، ففي مجموع الفتاوى جاء في صدر هذا الفصل: “وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عما ذكر الأستاذ القشيري في باب الرضا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال: الرضا ألا يسأل الله الجنة ولا يستعيذ من النار، فهل هذا الكلام صحيح؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين، الكلام على هذا القول من وجهين: أحدهما: من جهة ثبوته عن الشيخ..”. وللشيخ (قاعدة في الرضا) ذكر ابن رشيِّق أنـها في مجلد لطيف.

الفصل الثاني عشر (2/142) في السُّكْر، وهذا الفصل ليس فيه تعليق على كلام القشيري، فهل هي فتوى مستقلة وضعت في هذا الكتاب؟ أو جزء من كتاب آخر؟ محتمل، والأظهر الثاني لقوله في أولها: “قد تكلمنا فيما مضى من القواعد على معاني الفناء..” ولم يتقدم حديث عن الفناء في (الاستقامة)، ثم قال في آخر الفصل ص 168: “والحمد لله رب العالمين”، وهذا أشبه بخاتمة فتوى وليست خاتمةً لفصلٍ يتبعه فصل. والله أعلم.

الفصل الثالث عشر (2/168): منفصلٌ عما قبله، ولا ذكر فيه للقشيري وكتابه، وإنما فيه الكلام عن فتنة الشيطان لبني آدم وتحريضهم على الفواحش واستحلالها، وفيها تعرضٌ لاستحلال بعض المتزهدة لمعاشرة الأحداث والمردان والنساء الأجانب وتعبدهم بذلك، وينتهي ص (198)، وموضوعه مناسب لموضوع الكتاب.  

الفصل الرابع عشر (2/198- 311): فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وظاهره أنه مضاف إلى الكتاب، لا سيما وقد طبع مستقلا وورد في آخره -في ط. مجموع الفتاوى، وط. المنجد-: “والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد..”، إلا إذا قيل: إن المتصوفة غلب عليهم الاحتجاج بالقدر والإعراض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلذلك عقد له فصلًا، وامتد الفصل إلى ص 311، وأما الفصل المذكور ص 297 فهو تابع له، فهو حديث عن الإخلاص والمتابعة ومنزلتهما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الفصل الخامس عشر (2/311- 348): فصل في الإكراه وما يتعلق به، ويمتد إلى آخر الكتاب.

هذا، وإذا تأملنا في مقدمة الكتاب وفصوله المتقدمة يمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام:

1- قسمٌ متوافق مع عنوان الكتاب ومقدمته، ويشمل المقدمة والفصول الأول والثاني والثالث والخامس، ويستوعب الصفحات (1/3- 69، 76- 80). وإذا كانت (قاعدة في وجوب الاستقامة) هذه غير كتاب الاستقامة، فالظن أنـها ستكون هذا القسم فقط. 

2- وقسمٌ ليس بعيدًا عن عنوان الكتاب، لكنَّ فصوله غير منسجمةٍ مع ما قبله ولا مع ما بعده، فإما أن تكون مقحمةً خطأ، أو أنَّ قبلها سقطًا -ولعله كبير- وذلك كالفصل الرابع عن لفظ الحركة، والفصل السابع في شرح حديث جويرية، ومحلهما من الكتاب (1/213- 216، 70- 75).

وكذلك الفصل الرابع عشر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخامس عشر في الإكراه، ويمثلان نصف المجلد الثاني تقريبًا (2/198- 348).

3- وأما بقية الفصول فهي في الرد على المتصوفة، غير أن منها ما كان الشيخ ينقل فيه كثيرًا عن الرسالة القشيرية ويتتبعها لفظًا لفظًا، وذلك كالفصل السادس، والفصل الثامن في السماع، وقد أشار إلى ذلك في مجموع الفتاوى (11/ 583) فقال: “وقد تكلمنا على كلام المشايخ في السماع وما ذكره ‌القشيري في رسالته هو وغيره عنهم، وشرحنا ذلك كلمة كلمة لكن هذا الموضع لا يتسع لذلك”، وكفصل الرضا (الفصل الحادي عشر)، وغيره.

ومنها ما توقف فيه النقل عن القشيري وذلك كالفصل الثاني عشر (السكر).

وعلى كل حال، فهذا بيانٌ لواقع الكتاب، ولا أستطيع الجزم هل هو كما تركه الشيخ أو أنه فصولٌ مجموعة؟ فهذا ضربٌ في عَمَاء، ولكن حسبي أن يشاركني القارئ ذلك، وقد يطلع بعض الباحثين على نسخة مخطوطة أو نقولٍ عن الكتاب أو قرائن أخرى يتبيَّن معها حاله.

– النقول عن الكتاب:

– نقل ابن القيم رحمه الله كثيرًا من مضمون الكتاب (ولم يصرح بأنه من الاستقامة ولا من غيره)، فالفصل الذي عقده ابن تيمية عن السماع (1/216- 421) اعتمد عليه ابن القيم في كتابه: (الكلام على مسألة السماع) ولخَّص فوائده، وهو القسم الثاني من كتاب ابن القيم ويمثل ثلثي الكتاب، والثلث الأول في ذوق الصلاة، وقد استغلقت علي مواضع عديدة في الاستقامة ووجدت صوابـها عند ابن القيم رحمه الله، وكان يحذف الاستطرادات، ويزيد زيادات توضِّح المقصود ويقسم الكلام إلى أقسام لئلا تند عن القارئ شيءٌ من فوائده.

– ونقل ابن القيم أيضًا في روضة المحبين (227- 244) عن الاستقامة ما يتعلق بـ(السكر) و(اللذة)، وأفاد منه أيضًا في المدراج في منزلة السكر، لكنه في المدارج كان يعيد صياغة المسائل ويزيد زيادات كثيرة، أما في الروضة فينقل بالنص.

– ورأيت نقلًا لابن القيم عن شيخ الإسلام يتعلق بالقشيري وكتابه، ولم يرد في الاستقامة، ونصه: قال ابن القيم في مدارج السالكين (3/ 150 ط. دار عالم الفوائد): “وأبو القاسم القشيريُّ رحمه الله صدَّر بابَ الأدب بـهذه الآية، وكذلك غيره، وكأنّهم نظروا إلى قول من قال من أهل التّفسير: إنّ هذا وصفٌ لأدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام، إذ لم يلتفت جانبًا، ولا تجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب. والإخلالُ به: أن يلتفت النّاظر عن يمينه وعن شماله، أو يتطلّع إلى ما أمامَ المنظور، فالالتفات زَيْغٌ، والتّطلُّع إلى ما أمامَ المنظور طغيانٌ ومجاوزةٌ. فكمال الأدب إقبالُ النّاظر على المنظور، لا يَصرِف بصرَه عنه يَمْنةً ولا يَسْرةً، ولا يتجاوزه. هذا معنى ما حصَّلتُه عن شيخ الإسلام ابن تيميّة قدّس الله روحه“. وقد يكون من سماعاته منه.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. 

شارك الصفحة

تاريخ النشر | مايو 2 - 2024

One Response

  1. السلام عليكم..
    جزاكم الله خيرا على هذا المقال.
    ثانيا هل يمكننا القول أن الإقحمات والتوفيق بين النصوص ظاهرة وواضحة في هذا المؤلف من قبل المحقق ، خاصة وأن الكتاب لا يوجد له إلا مخطوط واحد، ويشوبه نقص وعدم وضوح؟
    واذا ثبت هذا، فيمكننا القول أن الكتاب يحتاج إلى إعادة تحقيق؟
    وأن هذه النسخة غير معتبرة، لما ذكر؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

البريد الإلكتروني

[email protected]

موقعنا يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك أثناء التصفح