المقالات والبحوث

كيف غابت أصول النظام الأخلاقي عند ابن تيمية عن فيلسوف الائتمانية؟

Picture of د.حامد بن أحمد الإقبالي

د.حامد بن أحمد الإقبالي

دكتوراه في الأصول الإسلامية للتربية، مهتم بالفكر الأخلاقي والصوفي.

photo_2024-05-16_10-19-58

جدّد المفكر والفيلسوف طه عبدالرحمن ضرورة الحاجة إلى استلهام التراث الأخلاقي عند علماء المسلمين والبناء على المقومات الفكرية التي أّصلوها ووصلها بالفكر المعاصر ، ولعل النظر الطويل في التراث الأخلاقي لأبي حامد الغزالي ومسكويه وابن رشد وابن سينا لم تمكّنه من سبر الفلسفة الأخلاقية عند ابن تيمية جيداً بحيث تمكّنه من سبر أغوارها ، لذلك نفى في لقائه عبر بودكاست الشرق الأسبوع الماضي إبداع المسلمين لأصول أخلاقية من داخل المجال التداولي، لا عند ابن تيمية ولا عند سلفه السابقين أو خلفه المتأخرين ، وقرر أن تلك الجهود لم تكن سوى محاكاة للفلسفة اليونانية ، مدللاً على ذلك بأن كل الاشتغالات الأخلاقية الإسلامية هي في حقيقتها استدعاء الفضائل المركزية اليونانية، ويقصد بها: العفة ،والشجاعة ،والحكمة ،والعدل ، ما أدى إلى اطّراح الإيمان بالله تعالى من هذه الفضائل على الرغم من مركزيته داخل المنظومة الأخلاقية ، وقرر بناء على ذلك في حديثه السريع حول ذلك إلى أن الأصول الأخلاقية من وجهة نظره هي التقوى والصدق والأمانة.

والحقيقة أنه من المستغرب من فيلسوفنا الذي قضى أكثر من ستين عاماً في قراءة كتب المنطق والأخلاق والبحث في الفلسفة ومنعطفاتها ، أن يتجاهل الجهود الكبيرة والجدارات العالية التي بناها ابن تيمية في القضايا الأخلاقية والتأصيل لها ، لاسيما في مجال البناء الأصولي والتأسيسي للمفاهيم والعلوم الإسلامية ، ولعل أدنى شبهة تلحق ابن تيمية تتهافت عند التحقيق تأثره بالفكر اليوناني ، فلم يستقرئ ابن تيمية هذه الفلسفة إلا بقدر نقدها ، أو البناء عليها ، أو اعتبارها من الفكر الإنساني وذلك مثل القوى النفسانية التي تُبنى عليها الأخلاق عند اليونان ، وقد يكون من المقبول أن يتكلم بذلك قبل عصر ابن تيمية من تقعيد علم الأخلاق وذكر حقيقته – كما ذكر أبو حامد الغزالي  – من أن الناس ما تعرضوا لحقيقته وإنما تعرضوا لثمرته ، ثم لم يستوعبوا جميع ثمراته ، بل ذكر كل واحد من ثمراته ما خطر له وما كان حاضرا في ذهنه ، ولم يصرفوا العناية إلى ذكر حده وحقيقته المحيطة بجميع ثمراته على التفصيل والاستيعاب([1]) وأزعم أن ابن تيمية استطاع أن يتكلم في حقيقته ويتناول ثمرته ويبيّن حدوده سواء في ردوده على الملل المختلفة أو تقريراته البنائية.

وتكاد تكون هذه المشكلة تشكّل هاجساً حضارياً عند الدكتور طه ، وقد ناقشها في كتاب السيرة الفلسفية وأشار إلى أن المصادر العربية واليونانية تكاد تجمع على أن أمهات الفضائل وأصول الاخلاق اليونانية هي الحكمة والعدل والعفة والشجاعة حتى طارت في الناس كل مطار بحيث يكاد يجمع عليها الفلاسفة على اختلاف آرائهم وأوطانهم وأزمانهم ([2]) بحيث لم يبدع فيلسوفاً مسلماً أصولاً غيرها ، وقد سبقه محمد عفيفي في كتابه: النظرية الخلقية عند ابن تيمية،  حيث ذكر أن ابن تيمية أخذ منحى الفلاسفة حين سلّم بلوازم أقوالهم في القوى النفسية ، وقام بتنزيلها على القرآن الكريم  ، لكن الحقيقة أن ابن تيمية لم يأخذ بأقوالهم ولا لوازمهم الأخلاقية ، بل هي تقسيمات تفرضها بدائه العقول وقواعد المسلمات لذلك نجده في موضع آخر يقول أن ابن تيمية يستمد هذا التقسيم من خلال استقرائه للأخلاق فهي نتيجة عقلية قياسية([3]).

لذلك يمكن حصر ماقام ابن تيمية في إيجاد نظام أخلاقي عبر ثلاثة مسارات ، أولها: نقد هذه القوى النفسانية وبيان حقيقتها وكشف الأصول الأخلاقية التي بنيت عليها ، وثانيها : بناء أصوله الأخلاقية الأكثر شمولية والأوسع رؤية والأقرب فطرية ، وثالثها: تثمير هذه الأصول المركزية وفقاً لحاجة المجتمعات ومقومات الحياة في عالمي الغيب والشهادة .

فالمسار الأول : هو الإقرار بأهمية وضع أسس لبناء المعرفة وتشييد بنيانها ليحصل على نتائج منطقية تتساوق مع حقيقة هذا العلم وتستقيم مع أصوله ، وهذا يستلزم أن كل فرد لديه أصول كلية يرد إليها الجزئيات حتى يتكلم بعلم وعدل، وإلا فيبقى فى كذب وجهل فى الجزئيات، وجهل وظلم فى الكليات([4]) لذلك لم تكن قدرة ابن تيمية في بناء الأصول الكلية والقواعد الكبرى في المفاهيم والقضايا بل وحتى تميزه في نقض أصول الاستدلال الفلسفي والكلامي([5]).

  ويعتبر ابن تيمية أن طبيعة النفس البشرية جبلت على قوتين إحداهما لجذب الملائم طلباً للذّة ، والأخرى لدفع غير الملائم طلباً للغلبة، فقوة الشهوة الجاذبة هي ما يجلبه الانسان من المنفعة لنفسه وما يتعلق بها من الأخلاق الفاضلة ، كالمحبة ، والإرادة أو الأخلاق السيئة ، كالشح ، والحسد، وقوة الغضب الدافعة هي ما يدفعه الانسان عن نفسه من المضارّ وما يتبعها من البغض والكراهة، وينتج عن هذه الأخيرة إما أخلاقاً فاضلة كالشجاعة والمروءة والحمية ، وقد تولّد أخلاقاً سيئة كالبغي والظلم والعدوان ، لكن باعتبار ما يختص به الإنسان فتزيد قوة ثالثة ، وهي قوة العقل والإيمان المولّدة للمنطق والحكمة التي يختص بها البشر عن الحيوانات ([6])  وهاتان القوتان إنما خُلقت في الإنسان ليحب الحق الذي يحبه الله ويبغض الباطل الذي يبغضه الله([7]) فمقامات الإسلام بين أمر يمتثله الإنسان ومقصود يحبه ويعبده أوعدو يبغضه ويقاومه ، فهذه القوى إذن مشترك إنساني تتشابه فيه هذه القوى عند بني آدم كلهم ويؤكد على بدهيتها العقل الانساني، وقد جاءت فضائل هذه القوى مذكورة مرتبة في القرآن الكريم يقول تعالى ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (الفرقان 68) فقوة الحكمة تقتضي عبادة الله وحده ، والقوة الغضبية تقتضي الكف عند الاعتداء على الآخرين ، والقوة الشهوية تقتضي العفّة عن الفواحش ، لذلك أورد ابن تيمية أثراً عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال فيه ” أكبر الكبائر ثلاث : الكفر ثم قتل النفس بغير الحق ثم الزنا”([8]) وهي دلالة إضافية تؤكد قيمة هذه القوى،  وما تفرضه من فضائل ورذائل أخلاقية .

  وإقرار المدح والذم في نتائج هذه القوى دلالة على آثارها وأهميتها في الشريعة الأخلاقية وإلا فهي ليست شراً أو خيراً في ذاتها، فالقوة المنطقية مثلاً لها دلالة مغايرة عند ابن تيمية فهي ليست العلم النظري المجرد كما هو عند فلاسفة اليونان ، بل الحكمة المرادة أنها اسم يجمع العلم والعمل به في كل أمة، فابن قتيبة يقرر أن الحكمة عند العرب العلم والعمل به ، وعند الإمام مالك : معرفة الدين والعمل به ،  وكل أمة لها حكمة بحسب علمها ودينها ، فالهند لهم حكمة مع أنهم مشركون كفار ، والعرب قبل الإسلام كانت تزخر بأقوال حكماء العرب مع كونهم مشركين يعبدون الأوثان ، فكذلك اليونان لهم حكمة كحكمتهم ، وحكماء كل طائفة هم أفضل تلك الطائفة علما وعملاً([9]).

  فحينما تناول ابن تيمية هذه القوى وهذه الفضائل المركزية اليونانية لم يتفق مع منطلقاتها ونتائجها بل انتقدها وبنى عليها بناء شرعياً وعقليا معتدلاً ، فحين زعمت الفلاسفة أن القوى منبعها من العقل الأول ثم عنه العقل الثاني هو إله الفلك التاسع ، ثم عنه عقل ثالث الذي هو إله الفلك الثامن ثم كذلك إلى أن ينتهي الأمر إلى العقل العاشر ، الذي هو إله فلك القمر وإله ما تحته وعنه يفيض ما تحت فلك القمر من العلوم والأخلاق ، قرر أن اسم العقل في اصطلاح جميع المسلمين بل وجميع أهل الملل وعامة بني آدم يراد به ما هو قائم بغيره سواء كان علما أو قوة أو عملا بعلم أو نحو ذلك لا يراد به ما هو جوهر قائم بنفسه([10]) بل تكلم في الصفدية كلاماً طويلاً([11]) حاصله أن هذه القوى تنتج أخلاقا مجملة تفتقر الى تفصيل محكم لذلك كانت أبرز إشكاليتين فيها: تماهي حدودها ،واختلاطها ، حتى أن هذه الاخلاق التي تنتجها القوى النفسانية تفتقر الى سلوك الصراط المستقيم ، كما أن الاعتدال فيها لا يوجب السعادة بل عجزهم عن معرفة المقدار والنوع الذي يجلب السعادة ، ومما يدلّ على خطلهم في هذه القوى ، أنهم  لم يتكلموا في صفة الحب الملائمة للنفس بما يتعلق بصلاحها ، بل أن نظرة الفلاسفة لهاتين القوتين الشهوية والغضبية لا تتجاوز الجانب المادي البدني ، فهو شهود الأسباب الحادثة والقدر الإلهي لكنهم لا يشهدون الحكمة الغائية منها ، بل وذكر في أبواب العلل والأسباب في معظم كتبه أنه ليس في المخلوقات شيء هو وحده علة تامة وسبب تام للحوادث ، بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث([12]).

 وقد كانت له وجهة نظر مغايرة في الاصطلاح على هذه الأسس أنها( أصول ) فرأى أن جمهور الفلاسفة والمتكلمين يجعلونها من الأصول لكنه اعتبرها  من الأصول العامة بل نقل رأي بعض أهل العلم أنها من الفروع التي تفتقر إلى دليل([13])لذلك اعتبرها في موضع آخر([14]) أنها متعلقة بالمستحبات والمندوبات ، فالفلاسفة لم يثبتوا خاصية النفس التي هي محبة الله وتوحيده وعبادته، إذ هي الغاية التي فيها صلاح للنفس، بل واعتبر الغلو في هذه القوى مجردة من جنس طقوس ديانة النصارى لذلك يقول “وكسر الشهوة والغضب جزء من عبادة الرهبان وكذلك الزهد في المال والرئاسة جزء من حال الراهب الناقص الكافر فكيف يكون هذا هو مقصود العبادة والزهد الذي جاءت به الشريعة”([15]) كما الحكمة التي يعتقد اليونان أنها أشرف الفضائل وهي فضيلة القوة المنطقية واعتبروها غاية مطلوبهم ،قرر أن  أن كمال النفس في مجرد العلم بالمعقولات مقدمة باطلة وخاطئة، بل واعتبر أن القائلين بأن الشرائع مقصودها إما إصلاح الدنيا وإما تهذيب النفس لتستعد للعلم ، أو لتكون الشريعة أمثالا لتفهيم المعاد من أقوال الملاحدة الباطنية ، ولهذا لا يوجبون العمل بالشرائع على من وصل إلى حقيقة العلم([16]) وقد ظن بعض الناس أن الحكمة المذكورة في القرآن هي الحكم الفلسفية المذكورة عند اليونان وغيرهم ، لكن اسم الحكمة مثل اسم العلم ،والعقل ،والمعرفة ،والدين ،والحق ،والعدل ،والخير والصدق والمحبة ونحو ذلك من المفاهيم التي اتفق الناس على استحسان مسمياتها ومدحها، وإنما تنازعوا في تحقيق مناطها وتغيير مسمياتها([17]) .

 وفي المسار الثاني أضاف ابن تيمية أبعاداً أخرى لهذه الفضائل اليونانية المركزية ، فإذا كانت فضيلة الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية : فإن كمال الشجاعة هو الحلم اعتماداً على قول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب([18]) ،كما أن فضيلة القوة الشهوية العفة ، وكمالها في السماحة ، فإذا كان الكريم عفيفاً والشجاع حليماً اعتدل الأمر([19]) وهو توسّع في نفس المفاهيم وجذورها الطبعية لم يخض فيه فلاسفة الفضائل اليونانية ، ولعل هذا ما دعا الدكتور عبدالله البريدي أن يقول:إن الأصول التيمية تمايزت عن غيرها في أربع خصائص فريدة ، وهي بناءها التجريدي والتركيبي ، وتمايزه في إخصاب المفاهيم وإبداعها ، وقدرته على نقض مفاهيم وأصول الآخرين ، واعتماده عليه في أكثر كتاباته([20]).

   حتى هذه الكمالات الأربعة التي ذكرها الفلاسفة للنفس لا بد منها في كمالها وصلاحها ، ولكن قصروا غاية التقصير في أنهم لم يبينوا متعلقها – كما قرر ابن تيمية- ولم يحدوا لها حدا فاصلاً بين ما تحصل به السعادة وما لا تحصل به ، فإنهم لم يذكروا متعلق العفّة ولا عماذا تكون؟ ولا مقدارها الذي إذا تجاوزه العبد وقع في الفجور؟ وكذلك الحلم لم يذكروا مواقعه، ومقداره ، وأين يحسن ؟ وأين يقبح؟ كما لم يميزوا العلم الذي تزكو به النفوس وتسعد من غيره بل لم يعرفوا أصلاً وأما الرسل صلى الله عليهم وسلم فبينّوا ذلك غاية البيان وفصّلوه أحسن تفصيل([21]) وأما القوى المنطقية في الحجاج والتفكير فتبقى صفة حتى يُحمد مقصودها “فقوة الذكاء بمنزلة قوة البدن وقوة الإرادة، فالذي يؤتى فضائل علمية وإرادية بدون هذه الأصول ، بمنزلة من يؤتى قوة في جسمه وبدنه بدون أصول الإيمان والعبادة”([22]).

  ولا ننكر أن الفرق الإسلامية قد تأثرت بهذه الرؤية الفلسفية – تأكيداً لما قاله الدكتور طه عبدالرحمن حول العجز عن خروج فلاسفة المسلمين عن الرؤية الأفلاطونية والأرسطية- وذلك في مسألة فضيلة العلم ، حتى أن الجهمية التي رأت ان الايمان يكفي فيه العلم ، وقد ذكر ابن تيمية أن العلم المجرد ليس كمالا للنفس كما يزعم الفلاسفة ، ولوكان كذلك لم يكن ما عندهم من العلم ما هو كمال النفس، وبيّن غلط الجهمية الذين قالوا: الإيمان هو مجرد العلم، وقرر أن الصواب قول السلف والأئمة: إن الإيمان قول وعمل،  أصله قول القلب، وعمل القلب المتضمن علم القلب وإرادته،  وإذا كان لا بد للنفس من مراد محبوب معبود لذاته لا تصلح إلا به، ولا تكمل إلا به، وذلك هو خالقها([23]).

       بل شيّد ابن تيمية على أصل رذيلة القوة المنطقية أسساً أخرى من جنس هذه الفضيلة ، فعدّ حب الرياسة هو أصل البغي والظلم ،  كما اعتبر الرياء من جنس الشرك ، واعتبر أن الظلم ثلاث مراتب: الشرك بالله تعالى ، ثم الظلم للناس ، ثم ظلم النفس ، فجعل القتل أحد فروع ظلم الخلق ، فإذا كان قتلاً للولد الذي هو بعضه منه كان فيه الظلمان ، واعتبر الزنا من ظلم النفس ، لكن إذا كان بحليلة الجار صار فيه الظلمان أيضا ، لكن الغالب في القتل ظلم الغير والظلم في الزنا ظلم النفس([24])وجاء ابن القيم واستمدّ من هذه الأصول فروعاً ، فجعل أخلاق الصبر والشجاعة والعدل والمروءة والعفة ناشئة عن الخشوع وعلو الهمة ، وأما الكذب والخسة والخيانة والرياء والمكر والخديعة والطمع والفزع والجبن والبخل والعجز والكسل والذل لغير الله  فإنها من المهانة والدناءة جاعلاً هذه الأخلاق الفاضلة تابعة للأرض إذا خشعت وأزهرت ، والأخلاق المرذولة من النار التي تعلو إذا هاجت وتخمد إذا انطفأت([25]).

 ولعل من المباحث الشائكة في الأخلاق تباين الأسماء وتشابه الحقائق ، وقد ذكر الدكتور طه عبدالرحمن في هذا اللقاء أن أعظم القيم الأخلاقية هي الصدق والأمانة ، والحقيقة التي يجدر الإشارة عليها أن القيم الأخلاقية تختلف أحياناً مسمياتها لكن صفاتها واحدة ، فتجد حقيقة الصبر مثلا هي شجاعة من جهة ، وحلماً من جهة ، وعفة من جهة وهكذا ، لذلك عمد ابن القيم إلى توسيع دلالة مفهوم الخيانة وجعل الشرك بالله تعالى أعظم الخيانات باعتبار أن الدين بمثابة الأمانة وقال” وأعظم الخيانة: خيانة الله تعالى في توحيده، وهذه الخيانة نوعان: خيانة في توحيد المعرفة والاعتقاد، وخيانة في توحيد الإرادة والمحبة ، وحتى حينما تعرّض لحقيقة الإخلاص قرر أنها : توحيد المطلوب، وأن حقيقة الصدق هي: توحيد الطلب والإرادة ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض للمتابعة([26]) فجعل التوحيد والصدق والإخلاص حقيقة واحدة لعبادة الله تعالى وطاعته ، وهذة القضية تستلزم مبحثاً طويلاً ليس هنا مكانه

وفي المسار الثالث هو تثمير هذه الأصول ويذهب فيها ابن تيمية إلى المقامات المقصودة والنتائج المرجوة من حركتها داخل النفس والمجتمع ، لذلك يقول من الضرورات الأخلاقية للصلاح الأخلاقي في الأزمات الصبر -الذي يعتبر أحد كمالات الشجاعة- ويتمثل في الصلاة ، والكرم – الذي يعتبر أحد كمالات العفة – ويتمثل في الزكاة ، ففي ذلك صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم ومصلحة دينهم ودنياهم ، ولا بد من الثلاثة الصلاة ، والزكاة ، والصبر ، فلا تقوم مصلحة المؤمنين الا بذلك ([27]) وقد قرّر الشاطبي قاعدة شرعية أخلاقية مركزية وهي : أن أصول الطاعات وجوامعها إذا تتبعت وجدت راجعة إلى اعتبار المقاصد الأصلية، وكبائر الذنوب إذا اعتبرت وجدت في مخالفتها، ويتبين لك ذلك بالنظر في الكبائر المنصوص عليها وما ألحق بها قياسا، فإنك تجده مطرداً([28]).

 لقد ذهب ابن تيمية بهذه الأخلاق المركزية في الإسلام إلى آثارها الحقيقية في الحياة ، فقام بتثوير هذه الفضائل وفقاً لمقتضياتها فقرر أن الإخلاص – وهو التوحيد – يجلب الهداية ، والعفة تجلب الرزق ، والصبر وعدم القتل يجلب النصر، وقال أن حاجة الإنسان إلى هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته بخلاف الحاجة إلى الرزق والنصر فإن الله يرزقه ، وإذا انقطع رزقه مات والموت لا بد منه ، فإن كان من أهل الهداية كان سعيداً ، وإن كان بعد الموت وكان الموت موصلا له إلى السعادة الدائمة الأبدية فيكون رحمة في حقه ، وكذلك النصر إذا قدر أنه قهر وغلب حتى قتل فإذا كان من أهل الهداية إلى الإستقامة مات شهيداً ، وكان القتل من تمام نعمة الله عليه ، فتبين أن حاجة العباد إلى الهدي أعظم من حاجتهم إلى الرزق([29]) ولا يعني بذلك ضعف هاتين الثمرتين فإنهما أساسان لاستقرار الأمم وبها قوام المجتمعات ” فلا تتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود الذي هو العطاء، والنجدة التي هي الشجاعة، بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك ، ولهذا كان من لم يقم بهما سلبه الله الأمر ونقله إلى غيره([30]) فلا بد لكل بني آدم من ولاية وعداوة ولهذا جميعهم يتمادحون بالشجاعة والسماحة ، فإن السماحة إعانة على وجود المحبوب بالأموال والمنافع وغير ذلك والشجاعة نصر لدفع المكروه بالقتال وغيره، ولا قوام لشيء من أمور بني آدم إلا بذلك([31])

ومجمل القول أن ابن تيمية كانت له اليد الطولى والفري العبقري في استيعاب هذه القوى النفسانية وما أنتجته من الأصول ، فلم ينتحلها على سبيل التقرير كما فعل مسكويه في تهذيب الأخلاق والغزالي في ميزان العمل والراغب الأصفهاني في الذريعة في مكارم الشريعة وابن سينا وابن رشد في كتبهما ورسائلهما المتفرقة ، بل استطاع أن يقرّ منها ما كان إنسانياً عقلياً ، ونبذ ما كان متحيزاً لأفكار فلاسفة اليونان ، وأقر المبدأ الأهم في الحكم عليها وهو أنه لا تنفع الأخلاق مع الشرك ولا يضر نقصها مع الإيمان “فالنفوس محتاجة إلى الله من حيث هو معبودها ومنتهى مرادها وبغيتها، بل من سوى بين الله وبين بعض المخلوقات في الحب بحيث يحبه مثل ما يحب الله، ويخشاه مثل ما يخشى الله… فهومشرك الشرك الذي لا يغفره الله، ولو كان مع ذلك عفيفا في طعامه ونكاحه، وكان حكيما شجاعا”([32]) لذلك فقد جاءت أصوله الأخلاقية منتظمة ، وهي : الشرك ويقابله التوحيد ، والقتل المحرم ويقابله الجهاد المعظم ، والزنا ويقابله العفة ، وأصل هذه الأصول هو الشرك والفرعان تابعان له ، وهي ترجع الى الأصل الأول ، لكن لأنهما أخص من الشرك كان حقهما الانفراد ، وهذا لا يلغي جهود عدد من المعاصرين في تأسيس هذه الأصول مثل محاولة إسماعيل الفاروقي في جعل التوحيد هو الأصل الأخلاقي الأبرز في الحياة ، ومثل محاولة طه جابر العلواني في تأسيس منظومة القيم العليا وهي التوحيد والتزكية والعمران.

لقد حاولنا في هذا المقال أن نكتشف معالم الوحدة القائمة وراء الكثرة المتعددة ، من أجل تحصيل النظرية التي يقودها ابن تيمية لإقرارها في الأسس الأخلاقية التي جاءت متفرقة في العديد من كتبه ، لكنه كان يخشى مع ذلك أن المبالغة في وضع الأسس المنطقية والكليات الكبرى لأعمال السلوك التطبيقية قد يؤدي إلى تقويضها والانشغال بها ، حتى قرر أن الأمور العملية الخلقية قل أن ينتفع بصناعة المنطق فيها؛ إذ القضايا الكلية الموجبة وإن كانت توجد في الأمور العملية ، لكن أهل السياسة والتربية ينالون تلك الآراء الكلية من أمور لا يحتاجون فيها إلى المنطق، بل ينتفعون بالعمل ” ثم الأمور العملية لا تقف على رأي كلي، بل متى علم الإنسان انتفاعه بعمل عمله، وأي عمل تضرر به تركه، وهذا قد يعلمه بالحس الظاهر أو الباطن”([33]).

 [1] – الغزالي ،  احياء علوم الدينى،(3/53).

[2] – طه عبدالرحمن ، السيرة الفلسفية ، ص266.

[3] -عفيفي ، النظرية الخلقية عند ابن تيمية ، 450.

[4] – ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 19/203.

[5] – عبدالرحمن المحمود ، موقف ابن تيمية من الاشاعرة (218/1)

[6] – انظر : الكرماني شرح رسالة الاخلاق ص175-180 و ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، (430/15). والغزالي ، ميزان العمل ص200.

[7] – ابن تيمية، مجموع الرسائل ، 320-322/2.

[8] -ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، 425/15.

[9] – ابن تيمية،  الرد على المنطقيين ، 446-447

[10] -ابن تيمية ، الصفدية ، 251-258/2.

[11] -ابن تيمية ، الصفدية ، 249-288.

[12] – ابن تيمية ،مجموع الفتاوى ، 8/133

[13] -ابن تيمية ،مجموع الفتاوى ، 21/2.

[14] – ابن تيمية ، الجواب الصحيح ، 243-245.

[15] – ابن تيمية ، الصفدية ، 249/2

[16] -ابن تيمية ،  درء تعارض العقل والنقل 270/3   

[17] – ابن تيمية ، تلبيس الجهمية ، 337-339/2

[18] – أخرجه البخاري (6114)

[19] – ابن تيمية ، جامع المسائل، 97/8

[20] ، عبدالله ، ابن تيمية فيلسوف الفطرة ، ص56-57.

[21] -ابن القيم ، مفتاح دار السعادة ، 119-120.

[22] -ابن تيمية ، الانتصار لأهل الأثر ، ص299

[23] -ابن تيمية ، الجواب الصحيح ،ص 251 

[24] – ابن تيمية ، الاستقامة ، 330-331.

[25] – ابن القيم ، الفوائد ، ص 209.

[26] – ابن القيم ، مدارج السالكين ، 97/2.

[27] – ابن تيمية ، الاستقامة  ، ص484-485

[28] – الشاطبي ، الموافقات،  343/2.

[29] – ابن تيمية، مجموع الرسائل ، ص 99-100/1.

[30] -ابن تيمية ، السياسة الشرعية ، 78.

[31] – ابن تيمية ، جامع الرسائل ، 308/2

[32] – ابن تيمية ، الجواب الصحيح ، 31/6

[33] ابن تيمية ، الانتصار لأهل الأثر ، 289

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

البريد الإلكتروني

[email protected]

موقعنا يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك أثناء التصفح